مقالات
القرآن الكريم وعلومه
صحبة القرآن في خلوة الليل والأسحار
إذا عظُم القرآن في قلب صاحبه لم يرضَ أن تكون صحبته له في زحمة النهار وحدها، بل يجعل له من خلوة الليل نصيبًا، ومن هدأة الأسحار وردًا، ومن سكون الظلام مناجاةً لا يطّلع عليها إلا الله، فالليل ميدان الصادقين، وخلوة المحبين، وموطنٌ تجتمع فيه حواسّ القلب على كلام الله، بعيدًا عن ضجيج الشواغل وتفرّق الهموم.
وقد أثنى الله تعالى على أهل القيام والتلاوة في الليل، فقال سبحانه:
﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: 113]. فجمع لهم بين القيام، وتلاوة الآيات، والسجود، فالليل عند أهل القرآن حياةٌ أخرى تُفتح فيها أبواب القرب والمناجاة.
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال في عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «نِعْمَ الرجل عبد الله لو كان يصلّي من الليل»؛ فكانت كلمةً نبويةً ربّت في قلبه المحافظة على قيام الليل، حتى صار لا ينام من الليل إلا قليلًا، وفي هذا تربيةٌ لأهل القرآن أن حاله لا يكتمل إلا بحظٍّ من العبادة والخلوة بالله... ومن الشواهد المشرقة على ذلك في سِيَر أئمة القرآن وأحوالهم:
ما رُوي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقوم من الليل، ويرتّل القرآن حرفًا حرفًا، ويكثر من النشيج والنحيب؛ ولله دَرُّه؛ فالعبرة أن يقوم العبد بالقرآن وقلبُه حاضرٌ بين يدي ربّه، يسمع الآية كأنها تخاطبه، ويتلقّاها كأنها رسالةٌ إليه، فتلين لها نفسه، وتدمع لها عينه، وتتحرك بها جوارحه إلى طاعة الله.
وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقسّم الليل ثلاثة أقسام: قسمًا للنوم، وقسمًا للحديث، وقسمًا للقرآن، وهذا يدلّ على فقهٍ عجيب في صحبة القرآن وتنظيم العمر معه؛ فلم يكن القرآن عندهم فضلةَ وقتٍ تُعطى له بعد الفراغ من الشواغل، بل كان له من ليلهم سهمٌ محفوظ، وموعدٌ لا يُخلَف، ونصيبٌ لا تزاحمه الغفلة، ولا تطغى عليه المشاغل.
وكان أبو حاتم السجستاني رحمه الله من العبّاد المتهجدين، فقسّم الليل للقرآن أثلاثًا: ثلثًا لأبيه، وثلثًا لأمه، وثلثًا له، فلما مات أبوه جعل الليل نصفين، فلما ماتت أمه صار يحيي الليل كله، وهذا من أبهى صور اجتماع البرّ والعبادة؛ ألا يغيب الوالدان عن قلب العبد في دعائه وقيامه وتلاوته، فيجعل من القرآن صلةَ وفاءٍ ورحمة، ومن خلوة الليل بابَ برٍّ ودعاءٍ يمتدّ أثرُه بعد الرحيل.
وقسّم الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله ليله أثلاثًا: ثلثًا للقيام، وثلثًا للنوم، وثلثًا للتصنيف، فجمع بين عبادة الليل، وراحة البدن، وخدمة العلم؛ في صورةٍ بديعة من فقه الأئمة في عمارة الأوقات، إذ لم يكن اشتغالهم بالعلم يصرفهم عن حظّهم من القيام، ولا أنسهم بقيام الليل يحبسهم عن بذل النفع للأمة.
وكان الإمام ابن النقيب رحمه الله شديدَ المحافظة على العبادة، يُصلّي الفجر بوضوء العشاء، ويُحيي ليله بالتهجّد؛ وهذا مما يُوقظ في القلب معنى الصدق، ويُذكّر صاحب القرآن أن من تمام صحبته لكتاب الله ألا يكون ليله كلُّه غفلةً وانقطاعًا، بل يجعل له من هدأة الليل نصيبًا يناجي فيه ربّه، ويجدد به عهده بكلام مولاه.
وكان الإمام حمزة الزيات رحمه الله يُقرئ الناس حتى يتفرّقوا، ثم ينهض إلى صلاته وعبادته، وكان جيرانه يسمعون قراءته طوال الليل يرتّل القرآن، وهذا من أبهى شواهد صدق المقرئ مع القرآن؛ أن يعلّمه للناس نهارًا، ويقوم به بين يدي ربّه ليلًا، فلا يكون حظّه منه التعليم وحده، بل الخدمة والعبادة والخشية والأنس.
وكان الإمام أبو بكر بن عياش رحمه الله يقوم الليل ويتكئ على عصاه، ولم يُفرش له فراش خمسين سنة، وكان يقول: «لا أريد أن أعوّد نفسي الكسل»، وهذا من شواهد المجاهدة للنفس؛ فإن قيام الليل لا يدوم عليه العبد ولا يثبت فيه إلا بالصبر، وصدق المجاهدة، ومغالبة الكسل، وتعويد النفس على أبواب الخير حتى تألف الطاعة وتأنس بها.
وكان إبراهيم النخعي رحمه الله يقول: «اقرؤوا من الليل ولو حَلْبَ شاة». وهي وصيةٌ جامعةٌ رفيقة، لا تُغلق باب القيام على من عجز عن طوله، ولا تحرم صاحب القرآن من نصيبه في الأسحار؛ فمن لم يستطع الكثير، فليحفظ أصل الصلة، ولو بآياتٍ يسيرة يقرأها في هدأة الليل، يناجي بها ربّه، ويجدّد بها عهد قلبه مع كتاب مولاه؛ فالقليل الدائم يربّي القلب، ويحفظ الوصل، ويدلّ على صدق المحبة؛ وقد قال النبي ﷺ: «من قام بعشر آيات لم يُكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كُتب من القانتين، ومن قام بألف آية كُتب من المُقنطَرين».
وبعد مطالعة هذه الشواهد، ينبغي لصاحب القرآن أن يوقن أن لليل مع كتاب الله سرًّا لا يعرفه إلا من ذاقه، وأن من أعظم ما يثبت القرآن في الصدر، ويبعث الحياة في القلب، ويورث الأنس بالله: أن يجعل العبد بينه وبين القرآن موعدًا في خلوة الليل، ولو بآياتٍ يسيرة يداوم عليها، ويتقرب بها إلى مولاه؛ فإن القرآن إذا تُلي في هدأة الليل كان أوقع في القلب، وأجمع للهمّ، وأبعد عن شواغل النفس وضجيج الدنيا؛ يسمع العبد فيه كلام ربّه كأنه يخاطبه وحده، فتخشع نفسه، وتلين جوارحه، ويتجدد في قلبه معنى الافتقار إلى الله.
فطوبى لمن يجعل من سكون الليل حياةً لقلبه، ومن آيات القرآن أنسًا لوحشته، وزادًا لطريقه، ونورًا في سيره إلى الله تعالى.
د. بلال جبر عماد
مدير دار القرآن الكريم والسنة
أكاديميةٌ إلكترونية ينبثق نورها من أرض غزة المباركة، تُعنى بتعليم القرآن الكريم وعلومه خاصة، والعلوم الشرعية عامة، تهدف لبناء جيلٍ قرآنيٍ واعٍ، يجمع بين إتقان الحفظ والتلاوة، وصحة الفهم، وعمق التدبر، وحسن العمل.
