نزل القرآن ليحيي القلوب، ويزكّي النفوس، ويقيم العبد بين يدي ربّه على بصيرةٍ وخشوع؛ ومن هنا جاء التوجيه النبوي الكريم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما حين رأى النبي ﷺ من قوّة همّته وشدّة اجتهاده، فأرشده إلى أن يقرأ القرآن في سبع، وقال له: «ولا تزد على ذلك»، وثبت عنه ﷺ أنه قال: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث»؛ فكيف يُجمع بين هذا الهدي النبوي، وبين ما نقلناه عن بعض الصحابة وكثيرٍ من السلف من ختم القرآن في يومٍ، أو مجلسٍ، أو ركعة؟

ليس في هذا معارضةٌ لما نُقل عن بعض الصحابة الكرام والتابعين الأجلاء والأئمة الفضلاء من ختم القرآن في ليلةٍ، أو ركعةٍ، أو مجلس؛ فليس ذلك وِردًا راتبًا أو ثابتًا له وإنما تلك مواطنُ مخصوصة، ونفحاتٌ ربانية فاضلة، وفتوحاتٌ يهبها الله لمن رسخ القرآن في صدره، وقويت صلته بكلامه، وطالت صحبته له، وكثرت معاهدته لسوره وآياته، واجتمع له مع كثرة التلاوة تعظيمُ الوحي، وحضورُ القلب، وحسنُ الأداء، حتى غدا القرآن ساكنًا في صدره، حاضرًا في وجدانه، طيَّعًا على لسانه، حيًّا في قلبه، مؤنسًا لخلوته، ونورًا في طريقه وسيره إلى الله.

وهكذا تبقى وصيةُ النبي ﷺ ميزانًا هاديًا يردّ أهل القرآن إلى الفقه والتدبر، وتبقى آثارُ السلف مشاعلَ توقظ الهمم، وتكشف ما يبلغه العبد إذا طال أنسُه بالقرآن، وصدق في صحبته، وجعل كتاب الله أنيسَ عمره، وزادَ قلبه، ونورَ طريقه إلى مولاه.

ومن هنا يُفهم ما دأب عليه أهلُ القرآن في غزة وغيرها من تسميع القرآن كاملًا في مجلسٍ واحد أنه مقامٌ خاصٌّ من مقامات الإتقان، وشاهدٌ على رسوخ الحفظ، وقوة الضبط، وطول الملازمة، وحضور القرآن في صدر صاحبه.

وهي مرتبةٌ شريفةٌ مباركة، تتشوّف إليها نفوسُ حفّاظ القرآن، وتسمو إليها هممُ أهل العناية والإتقان؛ غير أن شرفها لا يكتمل، وثمرتَها لا تطيب، وبركتها لا تتم، إلا إذا حُفظت مقاصدُها، وصِينت آدابُها، ورُوعيت ضوابطُها، ومن ذلك:

  • أول ما يُوصى به صاحب القرآن في هذا المقام أن يُسدّد نيّته، ويغسل قلبه من حظوظ النفس، ويستحضر أنه في مقامٍ مهيب، يعرض كلام ربّ العالمين؛ فلا يكن حظُّه من المجلس أن يُقال: ختم، أو أجاد، أو سبق، أو بلغ ما لم يبلغه غيره؛ فإن القرآن أجلُّ من أن يُجعل سُلّمًا للظهور، أو ميدانًا للمفاخرة، وليكن قصدُه شكرَ نعمة الله عليه، والترقّي في مدارج الإتقان، وتحصيلَ مزيدٍ من الضبط وصحّة الأداء، وابتغاءَ الأجر في ملازمة كتاب الله وخدمته، وإحياءَ الهمم في نفوس إخوانه، وتشجيعَهم على مزيدٍ من العناية بالقرآن ومراجعته وإحكامه؛ على أن يبقى قلبُه محفوظًا من طلب المنزلة عند الخلق، مصونًا من آفات العُجب والمباهاة، معلَّقًا بالله وحده، يرجو قبوله ورضاه، لا مدح الناس وثناءهم، فمن دخله بقلبٍ مخلص زاده الله به رفعةً ونورًا، ومن دخله بحظوظ النفس خيف عليه أن يذهب عنه من بركة القرآن بقدر ما التفت قلبه إلى الخلق.

  • وأن يسير في تسميع محفوظه على وصية ابن مسعود رضي الله عنه حين قال: «لا تهذّوا القرآن هذَّ الشعر، ولا تنثروه نثر الدَّقَل، وقفوا عند عجائبه، وحرّكوا به القلوب»؛ فإنها وصيةٌ جامعة؛ فلا يُجعل التسميع مطيّةً للسبق الزمني وإسراعًا إلى آخر المصحف، ولا مجالًا يتنافس فيه الطلبة: أيّهم يفرغ قبل صاحبه؟ فإن القرآن يُكرم بحسن الأداء، وصيانة الحروف، وحضور القلب، وتعظيم المتكلّم سبحانه.

  • وأن يلتزم في تسميعه مرتبة الحَدْر، وهي مرتبةٌ معلومةٌ عند أهل الأداء، لها مقامُها وحدودُها، وليست إسراعًا مطلقًا ولا عجلةً تُذهب جلال التلاوة؛ قراءةٌ يبقى فيها الأداء منضبطًا: حروفُه بيّنة، ومخارجُه محفوظة، وأحكامُه مصونة، وهيبتُه حاضرة، وجمالُه ظاهر.

  • وأن يكون التسميع بين يدي شيخٍ متقنٍ أمين، يحفظ هذه الأمانة، ويُقبل على طالبه بقلبه وسمعه، فلا يلتفت عنه ولا ينشغل بما يقطع تركيزه، بل يرابط معه لصيانة القرآن من أي خللٍ أو خطأٍ أو زلل؛ مذكّرًا طالبه بتجديد النيّة وإخلاصها لله تعالى، حتى يكون المجلس مجلسَ إتقانٍ وتربيةٍ وتعظيم، وأنسٍ بكلام الله تعالى، فيخرج منه الطالب أوثقَ حفظًا، وأصفى قلبًا، وأشدَّ توقيرًا للقرآن، وأصدقَ صلةً بربّه.

  • ومن فقه التربية ألا يُستعجل بالطالب إلى مقام المجلس الواحد قبل أن ينضج حفظه، ويشتد ضبطه، وتطول معاهدته؛ فإن هذه المرتبة ثمرةُ طريقٍ طويل، تُنال بصبر المراجعة، وصدق الملازمة، حتى يصير القرآن ساكنًا في الصدر، حاضرًا على اللسان، مطمئنًا في القلب، ويُرقّى إليها درجةً درجة؛ فيعرض القرآن أولًا في مجالس متعددة، ثم يُرقّى في ذلك برفقٍ وحكمة؛ فيسمّعه في خمسة مجالس، ثم في ثلاثة، ثم في مجلسين، حتى إذا استقام حفظُه، وثبت أداؤه، واطمأن قلبُه، وأَنِس بجمع القرآن كاملًا، سمّعه في مجلسٍ واحدٍ بطمأنينةٍ وضبطٍ وحُسن أداء.

  • وأن يُذكَّر الطالب أن هذه المنزلة، على شرفها وبهائها، ليست غاية الطريق، وإنما هي عتبةٌ إلى ما هو أزكى وأبقى: أن يغدو القرآن في صاحبه خُلُقًا وسمتًا، ونورًا يهديه في عبادته وسيره إلى الله تعالى، فلا يليق بمن يعرض المصحف كاملًا في مجلسٍ واحد أن يغفل عن عرض نفسه على أوامر القرآن ونواهيه، ولا يحسن بحامل القرآن أن يكتفي باستحضار ألفاظه، ثم لا يستحضر حدوده وآدابه وهداياته، فإن حامل القرآن حقًّا من حمله في صدره، وصدّقه في عمله، وتأدّب بأدبه، واستضاء به في طريقه إلى الله.

وطوبى لمن رزقه الله القرآن، ثم رزقه مع الحفظ قلبًا خاشعًا، ولسانًا صادقًا، وخُلُقًا زكيًّا، وهمةً لا تزال تسير به إلى الله على نور القرآن وهدايته؛ فذلك هو تمام الشرف وكمال النعمة: أن يحمل العبدُ القرآنَ في صدره، وأن يحمله القرآنُ على طاعة ربّه، حتى يكون كتابُ الله أنيسَ قلبه، وزادَ طريقه، ودليلَه إلى رضوان مولاه.

د. بلال جبر عماد

مدير دار القرآن الكريم والسنة

إذا عظُم القرآن في قلب صاحبه لم يرضَ أن تكون صحبته له في زحمة النهار وحدها، بل يجعل له من خلوة الليل نصيبًا، ومن هدأة الأسحار وردًا، ومن سكون الظلام مناجاةً لا يطّلع عليها إلا الله، فالليل ميدان الصادقين، وخلوة المحبين، وموطنٌ تجتمع فيه حواسّ القلب على كلام الله، بعيدًا عن ضجيج الشواغل وتفرّق الهموم.

وقد أثنى الله تعالى على أهل القيام والتلاوة في الليل، فقال سبحانه:

﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: 113]. فجمع لهم بين القيام، وتلاوة الآيات، والسجود، فالليل عند أهل القرآن حياةٌ أخرى تُفتح فيها أبواب القرب والمناجاة.

وثبت عن النبي ﷺ أنه قال في عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «نِعْمَ الرجل عبد الله لو كان يصلّي من الليل»؛ فكانت كلمةً نبويةً ربّت في قلبه المحافظة على قيام الليل، حتى صار لا ينام من الليل إلا قليلًا، وفي هذا تربيةٌ لأهل القرآن أن حاله لا يكتمل إلا بحظٍّ من العبادة والخلوة بالله... ومن الشواهد المشرقة على ذلك في سِيَر أئمة القرآن وأحوالهم:

ما رُوي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقوم من الليل، ويرتّل القرآن حرفًا حرفًا، ويكثر من النشيج والنحيب؛ ولله دَرُّه؛ فالعبرة أن يقوم العبد بالقرآن وقلبُه حاضرٌ بين يدي ربّه، يسمع الآية كأنها تخاطبه، ويتلقّاها كأنها رسالةٌ إليه، فتلين لها نفسه، وتدمع لها عينه، وتتحرك بها جوارحه إلى طاعة الله.

وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقسّم الليل ثلاثة أقسام: قسمًا للنوم، وقسمًا للحديث، وقسمًا للقرآن، وهذا يدلّ على فقهٍ عجيب في صحبة القرآن وتنظيم العمر معه؛ فلم يكن القرآن عندهم فضلةَ وقتٍ تُعطى له بعد الفراغ من الشواغل، بل كان له من ليلهم سهمٌ محفوظ، وموعدٌ لا يُخلَف، ونصيبٌ لا تزاحمه الغفلة، ولا تطغى عليه المشاغل.

وكان أبو حاتم السجستاني رحمه الله من العبّاد المتهجدين، فقسّم الليل للقرآن أثلاثًا: ثلثًا لأبيه، وثلثًا لأمه، وثلثًا له، فلما مات أبوه جعل الليل نصفين، فلما ماتت أمه صار يحيي الليل كله، وهذا من أبهى صور اجتماع البرّ والعبادة؛ ألا يغيب الوالدان عن قلب العبد في دعائه وقيامه وتلاوته، فيجعل من القرآن صلةَ وفاءٍ ورحمة، ومن خلوة الليل بابَ برٍّ ودعاءٍ يمتدّ أثرُه بعد الرحيل.

وقسّم الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله ليله أثلاثًا: ثلثًا للقيام، وثلثًا للنوم، وثلثًا للتصنيف، فجمع بين عبادة الليل، وراحة البدن، وخدمة العلم؛ في صورةٍ بديعة من فقه الأئمة في عمارة الأوقات، إذ لم يكن اشتغالهم بالعلم يصرفهم عن حظّهم من القيام، ولا أنسهم بقيام الليل يحبسهم عن بذل النفع للأمة.

وكان الإمام ابن النقيب رحمه الله شديدَ المحافظة على العبادة، يُصلّي الفجر بوضوء العشاء، ويُحيي ليله بالتهجّد؛ وهذا مما يُوقظ في القلب معنى الصدق، ويُذكّر صاحب القرآن أن من تمام صحبته لكتاب الله ألا يكون ليله كلُّه غفلةً وانقطاعًا، بل يجعل له من هدأة الليل نصيبًا يناجي فيه ربّه، ويجدد به عهده بكلام مولاه.

وكان الإمام حمزة الزيات رحمه الله يُقرئ الناس حتى يتفرّقوا، ثم ينهض إلى صلاته وعبادته، وكان جيرانه يسمعون قراءته طوال الليل يرتّل القرآن، وهذا من أبهى شواهد صدق المقرئ مع القرآن؛ أن يعلّمه للناس نهارًا، ويقوم به بين يدي ربّه ليلًا، فلا يكون حظّه منه التعليم وحده، بل الخدمة والعبادة والخشية والأنس.

وكان الإمام أبو بكر بن عياش رحمه الله يقوم الليل ويتكئ على عصاه، ولم يُفرش له فراش خمسين سنة، وكان يقول: «لا أريد أن أعوّد نفسي الكسل»، وهذا من شواهد المجاهدة للنفس؛ فإن قيام الليل لا يدوم عليه العبد ولا يثبت فيه إلا بالصبر، وصدق المجاهدة، ومغالبة الكسل، وتعويد النفس على أبواب الخير حتى تألف الطاعة وتأنس بها.

وكان إبراهيم النخعي رحمه الله يقول: «اقرؤوا من الليل ولو حَلْبَ شاة». وهي وصيةٌ جامعةٌ رفيقة، لا تُغلق باب القيام على من عجز عن طوله، ولا تحرم صاحب القرآن من نصيبه في الأسحار؛ فمن لم يستطع الكثير، فليحفظ أصل الصلة، ولو بآياتٍ يسيرة يقرأها في هدأة الليل، يناجي بها ربّه، ويجدّد بها عهد قلبه مع كتاب مولاه؛ فالقليل الدائم يربّي القلب، ويحفظ الوصل، ويدلّ على صدق المحبة؛ وقد قال النبي ﷺ: «من قام بعشر آيات لم يُكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كُتب من القانتين، ومن قام بألف آية كُتب من المُقنطَرين».

وبعد مطالعة هذه الشواهد، ينبغي لصاحب القرآن أن يوقن أن لليل مع كتاب الله سرًّا لا يعرفه إلا من ذاقه، وأن من أعظم ما يثبت القرآن في الصدر، ويبعث الحياة في القلب، ويورث الأنس بالله: أن يجعل العبد بينه وبين القرآن موعدًا في خلوة الليل، ولو بآياتٍ يسيرة يداوم عليها، ويتقرب بها إلى مولاه؛ فإن القرآن إذا تُلي في هدأة الليل كان أوقع في القلب، وأجمع للهمّ، وأبعد عن شواغل النفس وضجيج الدنيا؛ يسمع العبد فيه كلام ربّه كأنه يخاطبه وحده، فتخشع نفسه، وتلين جوارحه، ويتجدد في قلبه معنى الافتقار إلى الله.

فطوبى لمن يجعل من سكون الليل حياةً لقلبه، ومن آيات القرآن أنسًا لوحشته، وزادًا لطريقه، ونورًا في سيره إلى الله تعالى.

د. بلال جبر عماد

مدير دار القرآن الكريم والسنة

logo

أكاديميةٌ إلكترونية ينبثق نورها من أرض غزة المباركة، تُعنى بتعليم القرآن الكريم وعلومه خاصة، والعلوم الشرعية عامة، تهدف لبناء جيلٍ قرآنيٍ واعٍ، يجمع بين إتقان الحفظ والتلاوة، وصحة الفهم، وعمق التدبر، وحسن العمل.

ابقَ على تواصل معنا


جميع الحقوق محفوظة، أكاديمية الصفوة © 2026

تم التطوير بواسطة شركة Masarat Logo